الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
37
تفسير روح البيان
تعظيم الحق بأنه أعظم من كل شئ في قلب العبد طلبا ومحبة وعظما وعزة ومقارنة النية مع التكبير إشارة إلى أن صدق النية في الطلب ينبغي ان يكون مقرونا بتكبير الحق وتعظيمه في الطلب عن غيره فلا تطلب منه الا هو فان من طلب غيره فقد كبر وعظم ذلك المطلوب لا اللّه تعالى فلا تجوز صلاته حقيقة كما لا تجوز صلاته صورة الا بتكبير اللّه فان قال الدنيا أكبر أو العقبى أكبر لا يجوز حتى يقول اللّه أكبر فكذلك في الحقيقة وفي وضع اليمنى على اليسرى ووضعهما على الصدر إشارة إلى إقامة رسم العبودية بين يدي مالكه وحفظ القلب عن محبة ما سواه وفي افتتاح القراءة بوجهت إشارة إلى توجهه للحق خالصا عن شرك طلبه غير الحق وفي وجوب الفاتحة وقراءتها وعدم جواز الصلاة بدونها إشارة إلى حقيقة تعرض العبد في الطلب لنفحات الطاف الربوبية بالحمد والثناء والشكر لرب العالمين وطلب الهداية وهي الجذبات الإلهية التي توازى كل جذبة منها عمل الثقلين وتقرب العبد بنصف الصلاة المقسومة بين العبد والرب نصفين والقيام والركوع والسجود إشارة إلى رجوعه إلى عالم الأرواح ومسكن الغيب كما جاء منه فأول تعلقه بهذا العالم كان بالنباتية ثم بالحيوانية ثم بالانسانية فالقيام من خصائص الإنسان والركوع من خصائص الحيوان والسجود من خصائص النبات كما قال تعالى وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ فللعبد في كل مرتبة من هذه المراتب ربح وخسران والحكمة في تعلق الروح العلوي النوراني بالجسد السفلى الظلماني كان هذا الربح لقوله تعالى على لسان نبيه عليه السلام ( خلقت الخلق ليربحوا على لا لأربح عليهم ) ليربح الروح في كل مرتبة من مراتب السفليات فائدة لم توجد في مراتب العلويات وان كان قد ابتلى أولا ببلاء الخسران كما قال تعالى وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا الآية فبنور الايمان والعمل الصالح يتخلص العبد من بلاء خسران المراتب السفلية ويفوز بربحها فبالقيام في الصلاة بالتذلل وتواضع العبودية يتخلص من خسران التكبر والتجبر الذي من خاصته ان يتكامل في الإنسان ويظهر منه انا ربكم الأعلى ويفوز بربح علو الهمة الانسانية التي إذا كملت في الإنسان لا يلتفت إلى الكون في طلب المكون كما كان حال النبي عليه السلام إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى فإذا تخلص من التكبر الإنساني يرجع من القيام الإنساني إلى الركوع الحيواني بالانكسار والخضوع فبالركوع يتخلص من خسران الصفة الحيوانية ويفوز بربح تحمل الأذى والحلم ثم يرجع من الركوع الحيواني إلى السجود النباتي فبالسجود يتخلص من خسران الذلة النباتية والدناءة السفلية ويفوز بربح الخشوع الذي يتضمن الفلاح الأبدي والفوز العظيم السرمدي كما قال تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ فالخشوع أكمل آلات العروج في العبودية وقد حصل في تعلقه بالجسد النيرانى وليس لأحد من العالمين هذا الخشوع وبهذا السر أبت الملائكة وغيرهم ان يحملن الأمانة فاشفقن منها لان الإباء ضد الخشوع وحملها الإنسان باستعداد الخشوع وكمل خشوعه بالسجود إذ هو غاية التذلل في صورة الإنسان وهيئة الصلاة ونهاية قطع تعلق الروح من العالم السفلى وعروجه إلى العالم الروحاني العلوي برجوعه من مراتب الانسانية